المحقق البحراني

377

الحدائق الناضرة

هؤلاء مع أنه لا ريب عند كل ناظر وسامع ممن عرف الرجال بالحق لا الحق بالرجال أن هؤلاء أدق فهما وأذكى ذهنا وأشد تيقظا وأكثر تتبعا وأقرب إلى الصواب ( 1 ) وابتداء الفحص والتحقيق وتر ك التقليد للسلف نشأ من زمن الشهيد الأول وإن أحدث المحقق والعلامة شيئا من ذلك . قال شيخنا الشهيد الثاني في الدراية : إن أكثر الفقهاء الذين نشأوا بعد الشيخ كانوا يتبعونه في الفتوى تقليدا له لكثرة اعتقادهم فيه وحسن ظنهم به فلما جاء المتأخرون وجدوا أحكاما مشهورة قد عمل بها الشيخ ومتابعوه فحسبوها شهرة بين العلماء وما دروا أن مرجعها إلى الشيخ ( قدس سره ) وأن الشهرة إنما حصلت بمتابعته . ثم قال : وممن اطلع على هذا الذي تبينته وتحققته من غير تقليد الشيخ الفاضل سديد الدين محمود الحمصي والسيد رضي الدين بن طاووس وجماعة ، قال السيد ( قدس سره ) في كتابه المسمى بالبهجة لثمرة المهجة : أخبرني جدي الصالح ورام بن أبي فراس ( قدس الله تعالى روحه ) أن الحمصي حدثه أنه لم يبق للإمامية مفت على التحقيق بل كلهم حاك . وقال السيد عقيب ذلك : والآن قد ظهر أن الذي يفتى به ويجاب على سبيل ما حفظ من كلام العلماء المتقدمين . انتهى . أقول : ومن ابطال هذين الأصلين يظهر بطلان ما ابتنى عليهما من القول

--> ( 1 ) المعروف بين الفقهاء عدم جواز العمل بالخبر الذي يعرض عنه القدماء منهم وإن كان واجدا لشروط الحجية ، والسر في ذلك أن اعراضهم عنه مع كونه بمرأى منهم يكشف عن اطلاعهم على خلل فيه يوجب سقوطه عن الحجية ، وبهذا يظهر وجه اعتبار عمل المتقدمين وأن عمل المتأخرين دون المتقدمين لا أثر له لأن الأخبار إنما وصلت إلى المتأخرين من طريق المتقدمين وعصرهم قريب من عصر الأئمة " ع " فيمكن أن يطلعوا على ما لا يطلع عليه المتأخرون مما يكشف عن وجود خلل في الخبر ولهذا ينسب إلى بعضهم أن الخبر المعرض عنه كلما ازداد صحة ازداد وهنا . وأما كون المتأخرين أدق فهما فهذا شئ لا يرتبط بناحية سند الخبر والاطلاع على أن فيه خللا أو لا ولا دخل له فيه أصلا وهو واضح .